الشيخ محمد هادي معرفة

53

تلخيص التمهيد

أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ » « 1 » . فمن دفع فصاحة القرآن لم يكن في حيّز من يُكَلَّم . وأمّا اختصاصه بالنظم فمعلوم ضرورةً ، لأنّه مدرك مسموع ، وليس في شيء من كلام العرب ما يشبه نظمه ، من خطبة أو شعر على اختلاف أنواع وصفاته ، فاجتماع الأمرين منه لا يمكن دفعهما « 2 » . ( ثانياً ) الإعجاز في دراسات اللاحقين قد يقال : كم ترك الأوّل للآخر ! وأخرى يقال : ما ترك الأوّل للآخر . فإن كان في المثل الأوّل جزاف ، فإنَّ في المثل الثاني مبالغة ظاهرة ، نعم ، كان الأوائل قد مهّدوا السُبل لدراسات الآخرين وأسّسوا وأبدعوا وحازوا قصب السبق . وجاء اللاحقون ليستمرّوا على أثرهم على الطريقة المعبّدة من ذي قبل ، لكنّهم زادوا ونقّحوا وهذّبوا ، وبذلك نضجت الأفكار وتوسّعت العقول واكتملت الآراء والأنظار . أمّا الذي زاده الخلف على السلف في مسألة « إعجاز القرآن » فهو الذي لمسوه من تناسق نظمه البديع وتناسب نغمه الرفيع ، كانت لأجراس صوته الرصيف رنّة ، ولألحان موسيقاه اللطيف نسمة ونفحة قدسية ملكوتية ذات جذوة وجذبة ، لا يوجد لها مثيل في أيّ توقيع من تواقيع الموسيقى المعهودة ذات الأشكال والألوان المعروفة . إنّه منتظم على أوزان لا كأوزان الشعر ، وعلى قوافي السجع وليس بسجع ، ففيه خاصّية النظم وهو نثر ، فهو كلام منظوم ومنثور في نفس الوقت ، كما هو مسجّع ومقفّى أيضاً في عين الحال . ومع ذلك فهو ليس بأحدها ، وإنّما هو كلام فريد في نوعه وفذّ في أسلوبه ، إنّه كلام اللَّه فوق كلام المخلوقين . هذا هو الذي أحسّته أرباب الفنون وأصحاب الأذواق الظريفة بشأن القرآن الكريم إذا

--> ( 1 ) . المدّثر : 18 - 24 . ( 2 ) . الاقتصاد في أصول الاعتقاد : ص 166 - 174 .